رد الكاتب الساخر احمد العرفج في مقال نشر له في صحيفة المدينة ، على منتقدي تعدد الهويات في السعودية ساخرا ممن ينتسب للقبيلة والامة والعائلة ، بتأكيده على اننا نَعيش جميعا في زَمن العَولمة، أو زَمن «الهويّات المُهجّنة»، كما اسماها ، وكذلك "الانتمَاءَات المُتعدِّدة"، موردا ما اسماه أحد المُفكِّرين الفرنسيين زَمن «البَدو الجُدُد»، ومَع ذَلك تَجد في الاتّجاه الآخَر؛ مَن يَتحفَّظ عَلى هَذه المَفاهيم، ليَنتسب إمَّا إلى الأُمَّة، أو إلى القَبيلة أو المنطقَة..!
المقال ضرب على وتر المناطقية الحساس ، في حين سخر العرفج ممن يعيبون عليه حجازيته ، واصوله النجدية في الوقت نفسه ، فهو يشكو من انه في بلدته الاصلية بريدة يتهم بحجازيته ، وفي الحجاز يتهم بانه نجدي وفي سخرية لاذعة كشف انه يتهم ايضا بأنه يحاول التقرب من الحجازيين بادعاء تشجيع الاتحاد .
نص المقال .. وضوح الكلمات في تعدد التصنيفات..!
المَرء رَهين انتمَاءَاته واتّجاهَاته، ومُعتقداته ومُكوّناته.. لذَا قَد نَجد الإنسَان يُنسب إلى مَنطقتهِ أو مَذهبهِ، أو إلَى مُعتقدهِ أو جنسيّتهِ، وقَد شَرَح هَذا كُلّه الأستاذ الكبير «أمين معلوف» في روَايته المَعروفَة «الهويّات القَاتلة»، كَما قَرأتُ روَاية للسيّدة «باتريسيه» الإنجليزية بعنوان: «الولاءات المُجزّأة»، وكِلا الرّوايتين تَتناولان نَفس «الفِكْرَة»، أعنِي تَعدُّد الانتمَاءَات..!
ولَن أتحدَّث هُنا عَن الانتمَاءات أو الهويّات، لأنَّ هَذا أمر شَرحه يَطول، بَل سأكتَفي بإيضَاح أنَّ المَرء نَفسه يُصنَّف عَلى أشكَالٍ مُختلفة في ذَات الوَقت..!
لقد قَرأتُ مُقابلة جَميلة للشّيخ الجَليل «محمد الغزالي»؛ صَاحِب الكِتَاب النَّادِر بعنوان: «جَدّد حيَاتك»، وغَيرها مِن الكُتب، في تِلك المُقابَلة يَقول: (لقد احترتُ في أمري، لأنَّ النَّاس في مِصر يَعتبرونني شَيخًا مُتشدِّدًا، وفي بلدانٍ عَربيةٍ أُخرى يَعتبرونني شَيخًا مُتساهلًا رَخوا).. رَحِم الله الشّيخ الغَزَالي مَا أظرَفه، وأفقَهه وأعمَقه..!
ودَائمًا حِين أُعرِّف نَفسي أقول: (إنَّني «قَصمنجي» تَجميع «حِجَازي»، مِثل سيّارات تويوتا اليابانيّة التي يَتم تَجميعها وتَركيبها في مَاليزيا، هَذه التّربية المُزدَوجَة جَعلتني أَضيع، فلا أُحسب عَلى أحَد.. فإذَا سَألتَ عنِّي في القَصيم، سيُقال لَك: هَذا شَاب لا نَعرف عَنه الكَثير، لأنَّه تَربَّى في الحجَاز، وإذَا سألتَ عنِّي في الحجَاز سيُقال لَك: هَذا أصله قَصمنجي، يُحاول أن يَتقرّب لَنا بتَشجيع الاتّحاد)..!
حَسنًا.. دَعونا مِن المزَاح، لنتّجه إلى القَول الصّراح.. إنَّ الأمر كَبير ويَدخل في تَفاصيل حيَاتنا، لأنَّ المَرء يَتم تَأطيره -أحيانًا- في أُطرٍ مَحدودة، ويُعزل مِن المُجتمع مِن خِلال كَلام مُسطّح، لا يجمُد أمَام نَار الوَاقِع..!
خُذ مَثلًا العرَاقي الذي يَحمل جنسيّة أمريكيّة، حيثُ يُعتبر في العرَاق مِن الخَونَة، ويُعتبر في أمريكَا مِن الدُّخلاء.. وفي نَفس الوَقت، الفلسطيني الذي يَحمل الجنسيّة الإسرائيليّة، يَضيع بَين وَصفين: إمَّا أن يَكون دَخيلًا أو عَميلًا..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَا نَحنُ نَعيش في زَمن العَولمة، أو لِنَقُل زَمن «الهويّات المُهجّنة»، و"الانتمَاءَات المُتعدِّدة"، أو كَما يُسمِّيه أحد المُفكِّرين الفرنسيين زَمن «البَدو الجُدُد»، ومَع ذَلك تَجد في الاتّجاه الآخَر؛ مَن يَتحفَّظ عَلى هَذه المَفاهيم، ليَنتسب إمَّا إلى الأُمَّة، أو إلى القَبيلة أو المنطقَة..!
|