قد يبدو العنوان للوهلة الأولى غريبا ، وربما صادما للبعض ، هذا بالضبط ما حدث معي في رحلة العودة جوا من القاهرة . كنت أثناءها ، وعلى غير عادتي ، مستغرقا بكل حواسي في قراءة كتاب اشتريته من احد مكتبات القاهرة الشهيرة ، بعض محتوياته تندرج في مجال هندسة العمارة ، اسمه ( وادي الملوك ، أفق الأبدية للعالم الآخر لدى قدماء المصريين) للبروفسور الألماني "اريك هور نونج " ، أحد أكبر علماء المصريات المعاصرين ، يتناول فيه الأساليب المعمارية والنظريات الهندسية التي ابتدعتها عبقرية المهندس المصري القديم في بناء المقابر الفرعونية في وادي الملوك بمدينة الأقصر، التي كانت تعد آنذاك العاصمة السياسية والدينية للدولة الفرعونية الحديثة ، أثناء حكم الأسرات الثامنة عشرة ، والتاسعة عشرة ، والعشرين (1540 ق.م – 1070 ق.م) منذ بداية عصر أحمس الأول طارد الهكسوس ، الذي أعاد لمصر استقلالها بعد قرون من الاحتلال ، وصولا للأسرة العشرين أو بما يعرف بعصر الرعامسة ، وأشهرهم على الإطلاق الملك رمسيس الثاني . وكوني من المهتمين بالآثار عموما ، والفرعونيه على وجه التحديد ، ألفيتني انجذبت نحو الكتاب لدرجة عدم اكتراثي بنظرات وحركات الراكب في المقعد المجاور ، حيث بدا واضحا عليه التململ من طول الرحلة ، ومن حظه العاثر الذي أجلسه بجانب راكب صامت مستغرق في القراءة على طريقة الخواجات ! ويبدو أن السيل قد بلغ به الزبى ، فقررأن يقطع حاجز الصمت ، ويخاطبني متوددا : مرحبا ، معك فلان الفلاني وأعمل في كذا ، ترى من الأخ ؟ فرددت عليه التحية وعرفته بنفسي ، ومهنتي مهندس ، ثم عدت إلى كتابي . ورغم أنني مجامل بطبعي ، واجتماعي على طريقة عاداتنا العربية الأصيلة ، إلا أن انجذابي نحو هذا الكتاب كان هو الطاغي ، فانقلبت لدي المعادلة حتى غلب التطبع الطبع ! فما كان من صاحبي إلا المبادرة بالسؤال مرة أخرى ، عاقدا العزم على أن يعيد المعادلة إلى وضعها الصحيح : وهل تقرأ كتابا في الهندسة ؟ فرددت عليه بالإيجاب ثم عدت الى الكتاب ، وبإصرار منه على إعادة مارق إلى رشده ، عاجلني بسؤال ثان ثم ثالث حتى قال : ترى أي مجال من الهندسة تقرؤه في هذا الكتاب؟ فأجبته على الفور : هندسة القبور! أقسم أن جوابي كان عفويا وبريئا ، إلا أنه نزل عليه كالصاعقة ، وفعل به فعل السحر، لدرجة انه أشاح بوجهه عني ، ولم ينبس ببنت شفة حتى وصولنا ، أدركت حينها معنى عبارة " صمت القبور" ، وصدق مقولة " إن من البيان لسحرا" . كم تمنيت أن أعرف ما دار بخلده عني طوال ذلك الوقت ، والى أي مدى وصلت به الظنون ، آملا أن لا تكون قد لامست العقيدة ، فأي شيء دونها يهون ! لعل من المفارقات التي تستحق التأمل ، أن بدايات نشوء علوم العمارة والهندسة والرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك والطب والتشريح وغيرها ، انطلقت من القبور وليس من الدور أو القصور ، والشاهد على صحة ذلك ، أن أعظم الانجازات التي قامت عليها هذه العلوم منذ بدايات التاريخ البشري المعروف ، أي منذ نهاية ما يعرف بالعصر الحجري الحديث قبل ستة أو سبعة آلاف سنة ، كانت قبورا . لنأخذ الأهرام على سبيل المثال ، فهي تعد بلا جدال من أعظم ما تفتقت عنه العبقرية الإنسانية منذ العصور الغابرة . ورغم تجاوزها الخمسة آلاف عام ، لا نزال نقف مشدوهين أمام ما تشتمل عليه من إبداع وإعجاز هندسي وعلمي ، مستحقة عن جدارة ، أن تصنف كأعجوبة من عجائب الدنيا إن لم تكن أعظمها ، ولكنها في النهاية لا تعدو كونها قبورا . وحتى لو خرجنا من محيط (الايكومين) ، كما يطلق عليه (ارنولد توينبي) ، الى حضارات أمريكا الوسطى والبيرو التي نشأت معزولة عن محيط الحضارة البشرية في العالم القديم والأوسط ، فإننا سنجد الشئ ذاته لدى قدماء المصريين ، يتكرر في حضارات الانكا ، والمايا ، والأزتك ، والأولمك وغيرهم . وفي الهند ، بلاد الحكمة والفلسفة ، هناك (تاج محل) المصنف من عجائب الدنيا ، ومن أجمل المباني التي لا تزال تدرس فنون عمارته وهندسته في اعرق جامعات الدنيا ، وهو في نهاية المطاف قبر. وهناك عشرات بل مئات الشواهد والآثار عبر التاريخ : ستون هنج في انكلترا ، الموسوليوم في آسيا الصغرى ، القبور النفقية وقبور الحجرات في الصين ، القبور الكبيرة باليابان ، زقورة نمرود بالعراق ، وهيكل مردوك في بابل ، خزنة البتراء بالأردن ، مرورا بقبر نابليون بونابرت ، وقوس النصر(قبر الجندي المجهول) في باريس ، وصولا الى قبر الخميني في طهران. ولكوني أتطرق لهذا الموضوع من جانبه التقني والعلمي ، مع أنه لا يمكن إغفال الجوانب الروحية والفلسفية والاجتماعية التي كانت لها بلا شك تأثيرات كبيرة في إطلاق هذه الطاقات الإبداعية الهائلة في العقل البشري منذ فجر التاريخ ، وربما كان أهل الاختصاص في هذه المجالات أقدر مني على سبر غور هذه الأمور ، ولكن بالنظر إلى الجانب التقني والعلمي البحت ، فمن البديهيات والمسلمات أن تندرج فكرة مشروع أي بناء كان مع الجدوى والمردود ، وعلى رأسها المردود الاقتصادي والمادي ، وهو ما يعرف في علم إدارة المشاريع بنقطة التعادل BREAK EVEN POINT و (العائد على الاستثمار)RETURN ON INVESTMENT واختصارا (ROI) وهو ببساطة المدة التي تستغرق لاستعادة تكاليف إنشاء مشروع ما ، وتحقيق الربحية ، وهنا نطرح تساؤل منطقي عن المردود أو العائد على الاستثمار من مشروع إنشاء قبر بكل هذا الإبداع الهندسي والعلمي ، وما يتبعه من تكاليف باهظة وجهود جبارة . ترى ما الذي دار ، على سبيل الافتراض ، من مناقشات ومحادثات بين قدماء مهندسي وملوك الفراعنة عن هذا الجانب أثناء دراستهم للفكرة ؟ وهل كان مفهوم (العائد على الاستثمار) و(دراسة الجدوى) مغيبا بالكامل عن عقولهم المتوقدة ذكاء ، وأفكارهم المتوهجة إبداعا ؟ أيعقل أن يكونوا قد بنوا حسابات مشاريعهم تلك على العائد الروحي والاجتماعي وفلسفة الخلود فقط ، وأغفلوا تماما الجانب المادي والاقتصادي؟ أنا شخصيا أشك في ذلك ، وأعتقد لدرجة اليقين ، بأنهم قد أخذوا في حسبانهم ، بطريقة أو بأخرى ، معطيات الربح والخسارة والجدوى عندما درسوا وناقشوا فكرة هذه المشروعات ، ولكن هل من المعقول أن تكون قد وصلت بهم قوة الذكاء والرؤية الإبداعية حدا جعلهم يحسبون نقطة التعادل و ( العائد على الاستثمار) أو ال (ROI) على فترة تساوي خمسة آلاف عام؟! الحقائق الماثلة أمام أعيننا اليوم تقول أنهم ربما قد فعلوا !.....................................................................,................للتواصل مع الكاتب على البريد الكتروني engrayed@yahoo.com
|