كأحد رموز التيار الليبرالي الإصلاحي في السعودية، يقف تركي الحمد كأحد عرّابي هذا الفكر، وأحد ملهمي أتباعه، والمتأمل للدكتور الحمد يجد أنه ينطوي على شخصيتين في حواره الفكري، أحدهما شخصية عاصفة، تنتقد الوضع الفكري السائد في السعودية بشكل صريح لا يقبل الموارب.
وهو لا يتسامح حتى مع السلطة أحياناً، إلا أنه يصوغها بطريقة عادلة وحيادية، حتى لا تكاد السلطة تنفي عنها هذه التهمة لأنها مؤمنة به، عندما يصف أن السلطة وغالبية الشعب المؤدلجة ينتمون لنفس الخطاب الديني، إلا أنه هناك فرق بالتأكيد – كما يرى الدكتور الحمد – فالأولى وهي السلطة تيارها السلفي متسامح بشكل كبير جداً في علاقاته الخارجية ويتعامل بشكل عصري ويرسم صورة للسلفي المتفتح، لكنها أيضاً تعطي ضوءً أخضراً للرغبة الشعبية في الانتماء للخطاب السلفي ولا تعارضه كثيراً رغم أنه هذا الخطاب يحدّ من رؤيتها الداخلية والخارجية.
والصورة الأخرى لحوارات الدكتور الحمد هي صورة هادئة ولطيفة جداً، فالنقد لا يحمل أي صبغة شخصية، إذ أنك لا تلمح أي تصفية لحسابات شخصية بينه وبين أي من رموز التيارات الأخرى (وخاصة الصحوة –الخصم اللدود للدكتور تركي الحمد والليبرالية باعتبار أنها الجناح للتيار السلفي في البلاد)، وتتركز رؤية الدكتور الحمد على عبارته الشهيرة "عش ودع غيرك يعيش" ولا تأتي هذه العبارة في سياقها الفوضوي، بل تأتي في سياقها المنظّم.
حيث أن من حقك أن تعيش ومن حقك أن تعيش في ظل القانون، وإلا – أي في غياب القانون – هذا يعني أن أحدهما سيعيش والآخر لن يعيش، ففكرة التعايش بين التيارات حجر الزاوية في فكر الحمد، فهو لا يرفض التيار الصحوي باعتبار أنه تيار خاطئ (هو كذلك بالتأكيد في رأي الدكتور الحمد مدام لم يلتزم به !) إلا أنه لا يريد أن يفرض التيار الأخير رؤيته بحيث يمنع غيره أن يعيش، وأن يرفع الآخر سوط الآية الكريمة، والحديث النبوي الكريم كسوط يضرب به الآخر، لسبب بسيط: وهو إن يكن معك آية وحديث، فغيرك معه آية وحديث، بل ربما يكون مفهومك للآية خاطئاً أو مرجوحاً، وربما يكون حديثك الذي تتكلم به ليس ثابتاً أو منتقداً!
لا شك أن الرؤية الأساسية في التفسير الليبرالي لدى الدكتور الحمد يكمن في رؤية الحرية (الليبرالية) حيّة ومشاهدة في المشهد الفكري المحلي وطبعاً المجتمع، وهذه الرؤية تتم في ظل احتفاظ المجتمع بهويّته الإسلامية، فالحمد لا يزال متمسك باعتبار الإسلام خيار وحيد في الحياة السعودية، لكن هو يتساءل عن تفسير الإسلام: من يملك حق تفسيره؟!
baarrak@gmail.com
|