أحمد عبدالرحمن العرفج
لا يُضير عَامل المَعرفة -مِن أمثالي- أحيانًا أن يَجمع شتَات الأفكَار مِن مَصادر لَيست وَثيقة الصِّلة ببَعضها.. ومَا ذَاك إلَّا لأنَّ العَامِل المُجدّ؛ يَجب أن لا يَستنكف اصطياد أي فِكرة تَلوح في الأُفق، بَل عَليه أن يَتلقَّفها، وأن يَفرح بِها كَما يَفرح بمَولودهِ البِكر..! وللدَّلالة عَلى أنَّ الفِكر أصبح شَأنًا عَامًّا، لا فَضل فِيه لمُثقَّف عَلى تَاجر، ولا لمُتعلِّم عَلى جَاهِل، ولا لمُتابع عَلى قَابِع، فقَد سَمِعتُ فِكرتين لشَخصيّتين مُختلفتين، الأُولى لرَجُل الأعمال الشَّيخ «صالح كامل» يَقول فِيها: (هُناك خَطأ يَرتكبه مُعظم المُسلمين، وهو أنَّنا حَصرنا الزَّكاة في شَكل التَّصدُّق عَلى فَقير، أو وَضع مَبلغ في صَندوق المَسجد، فأضعنا حِكمَة الزَّكاة الاقتصاديّة، بينما حَدَّدت آية الزَّكاة في سورة التَّوبة ثَمانية أوجه مُختلفة لصَرفها، حَيثُ قَال الله تَبارك وتَعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ).. فنَحنُ نَستطيع أن نَتخلَّى عَن المَسؤوليّة كَوننا أعطينا الفُقراء، لكنَّنا بتَوجيه الزَّكاة -فَقط- للفُقراء أصبحنا أُمَّة مِن الشَّحَّاتِين، وهَذه مِن الأخطاء التي نَقع فِيها، فكُلّ صَنف مِن الأصنَاف الثَّمانية في الزَّكاة؛ يُنمِّي قِطَاعًا مُعيّنًا مِن الاقتصاد، ولكنَّنا لا نَهتم بهَذا)..! أُجزم أنَّ الشَّيخ «صالح كامل» أكثر دِرَاية مِنِّي في الشَّأن الاقتصادي، كَما في أغلَب شؤون الحياة الأُخرى، وإن كَان لي مِن شَرح -غير مُسهب- لفِكرته، فأعتقد أنَّه قَصَد أنَّ دَورة الاقتصاد الإسلامي -إن كَان لَابد مِن أَسلَمَته- تُعاني مِن العَطَب، نَتيجة لإصرَار الطَّبقة العُليا على إبقَاء الأُمور عَلى مَا هي عَليه، ولأنَّ الطَّبقة الدُّنيا سَلَّمت للأمر الوَاقع، لأنَّها لَم تَكن طَرفًا يُعتدّ به، فَضلاً عَن عَدم أخذ رَأيها في المَسألة برمّتها..! أمَّا الفِكرة الثَّانية، فقَد سَمِعتُ العَلَّامة الشَّيخ «يوسف القرضاوي» يُردِّدها مُنذ سَنوات، وهي أنَّه لا يُحبِّذ أن يُجزِّئ أحدهم زَكاته أو صَدقاته، ليَصرفها عَلى عَدد كَبير مِن المَعوزين، بحيثُ يَصرف مَثلاً كُلّ عَام 100 ألف ريال عَلى 100 أُسرة، إذ يَرى «القرضاوي» أنَّ الأحرَى بهِ صَرف المَبلغ كُلّه عَلى أُسرة وَاحدة، حتَّى يُحدث لَها نَقلة نَوعيّة، ورُبَّما كَان ذَلك سَببًا في انتقَال هَذه الأُسرَة إلى مَرحلة أُخرى قَد تُمكِّنها -بدَورها- مِن التَّصدُّق عَلى أُسر أُخرى أكثَر مِنها فَقرًا..! ووَجاهة هَذه الفِكرة مَردّها: أنَّ الفُقراء الذين يَنتظرون -كُلّ عَام- مَؤونة شَهر أو شَهرين مِن القوت لَن يَتغيّر حَالهم، بَل سيَستمرُّون عَالَة عَلى المُجتمع..! إنَّ الأفكَار المِثاليّة كَثيرة لَكن لا أحد يُنفِّذها، طَالما أنَّ البَعض -في أحسن الأحوَال- يَنظر إلى الزَّكاة وكأنَّها عِبء يَجب التَّخلُّص مِنه، وطَالما أنَّ العَمل التَّطوّعي في مَجمله ليس مُتجذِّرًا في المُجتمع، رَغم أنَّ سَعي المَرء في حَاجة أخيه المُسلم؛ مِن أعظَم مَا يُتقرَّب به إلى الله -جَلّ وعَزّ-، وهَذه مُفارقة عَجيبة تَحدث في مُجتمع؛ يَزعم أنَّه أكثر مُجتمعات الأرض تَديّنًا وحُبًّا للآخرة..!.
|