العالم المتقدم يقتنص الفرص ، يطاردها ، فيكسب قبل غيره .. أما العالم الآخر .. الذي يعترض على من سموه بالنامي لأنه يريد أن يكون متقدما مثل غيره ، فإن الفرص تأتيه من بين يديه ومن خلفه ، فيغمض عينيه عنها ، وإن فتحهما .. راح يبحث يمنة ويسرة عما يمكن وضعه من عقبات في وجه تلك الفرص حتى لا تشغله عن نفسه .. أما إذا استغل غيره تلك الفرص وطار بها فإنه يصيح ويشكو للدنيا بأسرها عن ضياع حق هو أولى به وأجدر ..
بين يديّ قصة عجيبة ، مؤلمة ومدهشة ، لعالمة سعودية شابة ، اسمها / فاتن خورشيد ، عملت هذه الشابة على مدى سبع سنوات لتحقق حلما صعب المنال ، حلما يجري خلفه القاصي والداني أملا في أن يصبح حقيقة ، كيف لا والعالم بأسره يستنفر قواه كلها ليواجه هذا الداء الخبيث الذي فتك ومازال يفتك بالأرواح البريئة دون فائدة !!
هذه العالمة الشابة التي تعمل في جامعة الملك عبد العزيز بجدة حصلت على الدكتوراه في مجال " هندسة الخلايا " من بريطانيا ، وظلت تعمل بعد تخرجها دون كلل أو ملل على مدى سبع سنوات حتى توصلت مع فريق البحث المساند لها إلى فصل وتصنيع الجزء الفعال من أبوال الإبل والذي يُعد من مركبات النانو لاستخدامه في محاربة مرض السرطان ، وقد مر على هذا الحدث الآن ما يقارب العامين ظلت خلالهما هذه الشابة تحارب من أجل تقديم اختراعها للبشرية ، تريد أن تكمل ما بدأته ، لكنها معطلة تنتظر ضوءا لا أعرف متى سيأتي وعلى أي وجه ، أقول لا أعرف .. لأن أشياء غريبة تحدث ويعجز العقل عن استيعابها ، ففي خضم الخطوات التي سار فيها الموضوع زحفا ينبثق أكثر من سؤال ، خاصة وأن أعلى سلطة تملك بيدها كل مقومات القوة وجهت بالإسراع والاهتمام ، ومع ذلك لا حياة لمن تنادي ، فيما يلي أستعرض خطوط الإطار العام لمسيرة الدكتورة بحثا - بكل أسى - عن مكمن الخلل والتعطيل :
*- في 20 / 6 / 1430هـ بعثت الدكتورة / فاتن خورشيد التماسًا إلى مقام خادم الحرمين الشريفين تطلب فيه المساندة حتى تتمكن من إكمال مهمتها ومن الحصول على الموافقة على تطبيق دوائها في مرحلة التجربة على البشر قبل نشر دراستها في براءة الاختراع الأمريكية .
*- في 17 / 7 / 1430هـ بعث صاحب السمو الملكي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء برقية إلى معالي وزير الصحة حول الموضوع ورد عليه معالي الوزير برقية بتاريخ 10 / 8 / 1430هـ يحيط فيها سموه علما بأن الجامعة قد دعمت الدكتورة وأن ما تبقى هو المرحلة السريرية التي ينبغي الترتيب لها وأخذ كافة الاحتياطات بشأنها والالتزام بقواعد البحث على الإنسان ، كما بين معاليه أن التنسيق سوف يتم بين الجامعة والهيئة العامة للغذاء والدواء بهذا الشأن .
*- بتاريخ 5 / 11 / 1430هـ تم إرسال برقية من خادم الحرمين الشريفين إلى معالي وزير التعليم العالي مع نسخ منها إلى وزارة الصحة ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية والهيئة العامة للغذاء والدواء والجامعات السعودية كافة طالبهم فيها حفظه الله بالتعاون مع الباحثة والإسراع في التنسيق واستكمال الإجراءات لتقرير ما يلزم بشأن الدواء وتسجيل براءة اختراعه في حال إجازته أو إبداء الملاحظات عليه ، كما أكد حفظه الله على حظر القيام بالتجارب السريرية دون موافقة الجهات المختصة مع التقيد بالقواعد العالمية عند إجراء التجارب على الإنسان .
*- خلال شهر 11 / 1430هـ جرى تبادل خطابات ومذكرات في وزارة الصحة على مستوى وكلاء الوزارة حول الموضوع اختُتم بخطاب إلى وكيل الجامعة تبين الوزارة فيه استعدادها للتعاون بشأن أبحاث الدكتورة.
عند هذا الحد توقف الأمر وتعطلت المسيرة بالرغم من استمرار الدكتورة في العمل حتى اللحظة ، فهل يعقل أن يتم تجاهل الموضوع على أهميته وخطورته ؟ لقد أثبتت التجارب التي قامت بها الباحثة وفريق العمل أن هذا الدواء المحضر على شكل كبسولات وشراب آمن بنسبة 100% وفعال جدا في محاربة السرطان والكبد الوبائي ، كما تم تحضير مراهم منه أثبتت فعاليتها في علاج الصدفية والبهاق والأكزيما ، حيث أعلنت الباحثة مسئوليتها العلمية التامة عن نتائج الدواء وما يترتب على استخدامه ، في الوقت نفسه فإن هناك فوائد جانبية أخرى لها أهميتها لفتت النظر إليها ، حيث بينت الدكتورة أن تجربة العلاج على الإنسان - والتي تمر بثلاث مراحل - قد نتج عن تطبيق مرحلتها الأولى والتي تستند إلى التجربة على متطوعين أصحاء " أي غير مصابين بالسرطان " أن شفي أحدهم من مرض آخر حيث انخفض مستوى أنزيمات الكبد لديه من العالي إلى الطبيعي ، كما شفيت إمرأة متطوعه من مشكلة تعاني منها في صمام قلبها و تم نشر هذه النتائج الخطيرة في دورية عالمية قبل تكليف هيئة الدواء السعودية فماذا بعد ؟
لقد حصلت الدكتورة / فاتن من خلال بحثها هذا على عدة جوائز كان آخرها حصولها على الميدالية الذهبية في معرض الابتكارات العالمي "آيتيكس " عام 2009 م وقد تم تسجيل البحث كاختراع في براءة اختراع خليجية وبراءة اختراع صينية و براءة اختراع أمريكية وأوروبية تغطي "35" دولة أوروبية ، لكن ذلك لم ينسها معاناتها وهي تستقبل الحالات البائسة من الكثير من المرضى أو من ذويهم الذين يستجدونها لتعطيهم الدواء وهي لا تملك ذلك لأنها لم تحصل على التصريح اللازم ، كما أنها تتلقى اتصالات هاتفية من داخل المملكة وخارجها تعرض عليها أثمانًا باهظة لتحصل على الدواء ، في الوقت نفسه هي تتلقى الكثير من العروض من الدول المختلفة حول العالم حيث يصلها بعضها عبر الجامعة بشكل رسمي فيما يعرض عليها البعض الآخر الهجرة وتأمين الوظيفة وتبني الأسرة وغير ذلك من المغريات ، لكنها ترفض التجاوب مع إغراءات العروض وترغب في أن ينطلق المنتج سعودي 100% من هذه الأرض الطاهرة ، مع بوادر قلق تلوح في الأفق بسبب إقبال العديد من الدول على إنشاء وتجهيز مزارع للإبل بحثا عن فوائدها كما أشارت الصحف الغربية مما يفرض عليها المسارعة في إكمال مهمتها.
بقي أن أقول إن الدكتورة لديها الإذن من الجامعة وتملك العينة الكافية التي تحتاجها للتطبيق ، كما أن لديها فريق بحثي مكون من باحثين وأطباء وصيادلة بعضهم بمرتبة أستاذ إضافة إلى الفنيين والإداريين ، ما ينقصها فقط هو موافقة الهيئة العامة للغذاء والدواء حتى تكمل هذه المسيرة المباركة ، ولعل ما يبهج القلب بالرغــم من كل هذا الأسى أن هناك مجموعــة أخرى من الباحثين الشبــاب من
الجنسين ينتظرون انطلاقتها ليعلنوا على الملأ مخترعاتهم هم أيضا ويكملوا مسيرة التفوق والإبداع .
أعتقد أن ما ضاع من الوقت يكفينا ، خاصة وأن هذه العالمة قالت لي : ( أصبحتُ أُفكر مؤخرًا وبجدية في الهجرة إلى خارج الأرض التي أحببتها والتي عملتُ من أجلها فقد أقفلوا الأبواب أمامي وفتحها لي الغرب والشرق الأقصى ) فهل يمتد صمتنا أكثر وأكثر !!
أضيف أخيرا أنه وحتى لو لم يحقق منتج الدكتورة / فاتن هدفه لأي سبب لا قدر الله فإن ما أنجزته هذه الباحثة القديرة سيشكل لبنة مهمة وخطوة واثقة على الطريق جديرة بأن نفسح لها المكان ونزيل من أمامها العقبات ، فهل من مستجيب ؟
|