" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " هذه القاعدة الفقهية ، هي ما دعت الشيخ عبدالله المطلق إلى التأكيد على عمل دراسة متكاملة يمكن بموجبها السماح للمرأة بقيادة السيارة من أجل درء المفسدة للسائق الأجنبي في المجتمع السعودي، وهو الأمر الذي يدعو مجلس الشورى إلى النظر في خطاب 117 مواطناً ومواطنة منهم 87 امرأة من مختلف مناطق المملكة طالبوا فيه مجلس الشورى بمناقشة موضوع قيادة المرأة للسيارة مستندين إلى أن المملكة وقّعت على مواثيق دولية تحظر التمييز بين الجنسين، إضافة إلى أن الإسلام لم يصدر منه تحريماً لهذا المطلب.
وهذه المطالب الحقوقية التي يطالب بها المواطنون تأتي من منهج الشفافية الذي ينتهجه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز يحفظه الله الأمر الذي يتيح مجالاً للمواطنين في المطالبة بحقوقهم الطبيعية التي تعد حقاً مشروعاً ، فقيادة المرأة للسيارة باتت من الحقوق التي لا يجب أن يتم فيها التمييز بين الرجل والمرأة حتى وإن كانت هناك نظرة اجتماعية تعتبر أن مثل هذا القرار سيؤدي إلى مفسدة ، المسألة تأخذ أبعاداً أكبر من هذه النظرة المحدودة لكونها ترتبط الآن بمفسدة أكبر، وهي وجود السائق الأجنبي الذي ثبت تأثيره الواضح على المستوى الاجتماعي .
إذن : لا يمكن الوقوف عند المفاسد التي قد تحدث من جراء قيادة المرأة لسيارتها بنفسها ، دون التوقف بشكل جاد عند تأثير وجود السائق الأجنبي ، وهذا منطق يمكن التحاكم إليه ، ومن ثم النظر إلى حجم الأضرار، أما عن القول بما قد تتعرض له المرأة من مطاردات من قبل الشباب أو أي أسلوب من أساليب الإيذاء فأنه في نهاية المطاف هؤلاء الشباب هم أبناء المجتمع ويجب أن يكونوا على قدر المسؤولية في حماية بنات ونساء المجتمع ، وأن يكون لديهم الوعي الكافي للمساهمة في هذا الدور، وإن كان هناك نماذج غير واعية فإنها تظل مخرجات مجتمعنا ، ومخرجات تعليمنا ، ومخرجات خطابنا الديني على مدى أكثر من عقدين من الزمان ، وهذا ما يجعلنا نؤكد أن الإشكالية تكمن في داخلنا تجاه هذا الأمر ، وأن درجة الوعي الكافي بضرورة مشاركة المرأة ودمجها في المجتمع بشكل طبيعي لا يتعارض مع التقاليد والعادات ، وقبل ذلك لا يتعارض مع مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف مسألة مفقودة ، لا يوجد وعي بأهمية هذه الخطوة ، خاصة وأننا أمام تغير قادم لا محالة ، لن يرتبط هذا التغير بالمملكة فحسب ، بل انه تغير عالمي تمثل المملكة جزءاً من منظومة الدول التي ستواجه تلك التحولات العالمية التي بدأت ملامحها تتضح بشكل جلي ، ومن ثم هي غير قادرة أن تكون بمعزل عن تلك التحولات ، وهو أمر طبيعي وسنة من السنن الكونية ، فقد كنا في يوم ما قبل أكثر من عقدين من الزمن نتحكم في وسائل الإعلام ، وكان لا يوجد سوى قناة تلفزيونية واحدة ، وإذاعة أو إذاعتين فقط داخل المملكة ، المواطن لم يكن يستمع ويشاهد سواهما ، الآن الفضاء أصبح مفتوحاً على مصراعيه ، ولم يعد بالإمكان التحكم فيما يبث ، لأنه لم يعد قراراً فردياً يرتبط بالقرارات الإقليمية لكل دولة ، هذا جانب يرتبط بالإعلام ، كذلك الجوانب المرتبطة بالاتفاقيات الدولية التي تشترك المملكة بها بحكم أنها واحدة من دول المنظومة الدولية ، وتلك الاتفاقيات المرتبطة بمنظمة التجارة الدولية ، التي رسمت من خلالها خطوطاً عريضة للدول الأعضاء في هذه الاتفاقية والتي تدعو إلى تنفيذ بنودها ، وعلى رأس تلك البنود " عدم التمييز العنصري بين الجنسيين ، وحقوق المرأة ، وحقوق الطفل ، وعلى رأس ذلك حقوق الإنسان " وغير ذلك من البنود ، ومع أننا نؤمن جميعاً بأن ديننا الإسلامي قد كفل كل تلك الحقوق قبل أن يأتي بها الغرب ، إنما علينا أن نطبق مثل هذه الحقوق على أرض الواقع ، لا أن نتغنى بها ونردد دائماً أننا كمسلمين أدركنا ذلك قبل أكثر من 14 قرن ، علينا أن نفعل رسالة الدين الإسلامي بالاستجابة للمطالب الإنسانية التي دعانا ديننا أن نحققها على أرض الواقع وأن نجعلها مؤثرة على مستوى السلوك الإنساني الفاعل .
|