عادت مدينة حلب إلى واجهة الأحداث السياسية والأمنية في سوريا بعد تجدّد اشتباكات وصفتها تقارير بأنها “عنيفة” بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الغالبية الكردية، في تطور يعكس هشاشة التفاهمات السابقة ويعيد طرح سؤال السيطرة والإدارة في مناطق النفوذ المتداخلة. ووفق المعطيات المتداولة، اندلعت المواجهات في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية الخاضعة لسيطرة «قسد»، وترافقت مع قصف متبادل ومعارك متقطعة امتدت على مدار يومين، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين ووقوع إصابات عديدة، إضافة إلى خسائر بين المقاتلين من الطرفين.
اللافت في هذه الجولة ليس فقط حجم العنف، بل تأثيرها الإنساني المباشر؛ إذ أشارت التقارير إلى نزوح أكثر من 45 ألف مدني بفعل القصف والاشتباكات، مع اضطراب واسع في وتيرة الحياة داخل المدينة ومحيطها. كما تسببت الأحداث في تعطيل بعض المرافق الحيوية، بما في ذلك إغلاق طرق وتعثر حركة النقل وتراجع النشاط الاقتصادي والصناعي، وهي مؤشرات تعكس كيف أن أي تصعيد أمني في حلب لا يبقى محصورًا في الجبهة، بل يمتد سريعًا إلى المجتمع والاقتصاد والخدمات.
سياسيًا، تُظهر المواجهات عمق الخلاف بين دمشق والسلطات الكردية في شمال سوريا حول قضايا “الاندماج” وترتيبات الحكم المحلي ومستقبل القوات المسلحة في المناطق التي خضعت لسيطرة «قسد» خلال سنوات الحرب. وذكرت التغطيات أن الحكومة السورية اتهمت «قسد» باستخدام وسائل هجومية مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة، في حين حمّلت «قسد» دمشق مسؤولية التصعيد، بما يوضح أن “رواية البداية” ما تزال محل نزاع، وأن التفاهمات السابقة لم تُترجم إلى آليات أمنية ثابتة تمنع الانزلاق إلى العنف.
وتزداد حساسية هذا الملف لأن “الخطوط الحمراء” في شمال سوريا لا ترتبط بالداخل فقط؛ فهناك أطراف دولية وإقليمية تراقب عن قرب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي ترتبط بعلاقة تعاون مع «قسد» في ملفات أمنية، إلى جانب تركيا التي تعارض نفوذ الجماعات الكردية المسلحة وتعتبرها تهديدًا لأمنها القومي. وفي هذا السياق، أشارت التقارير إلى وجود محاولات وساطة تقودها جهات دولية بهدف احتواء التوتر، خصوصًا أن العودة إلى التصعيد قد تفتح الباب لتدخلات أوسع أو ضغوط سياسية متبادلة.
ورغم الحديث عن “اتفاق اندماج” سابق بين دمشق و«قسد»، فإن تجدد الاشتباكات يوحي بأن المفاوضات تعثرت عند التفاصيل الأكثر حساسية: من يدير الأمن؟ كيف تُدار الموارد؟ وما شكل الإدارة المحلية؟ ومن يملك قرار السلاح؟ وتبدو حلب هنا نموذجًا مكثفًا لهذه الأسئلة، لأنها مدينة استراتيجية ومكتظة سكانيًا وتشكل عقدة طرق واقتصاد، ما يجعل أي انفجار فيها رسالة سياسية بقدر ما هو حدث عسكري. وفي ظل استمرار القصف والنزوح، تبرز المخاوف من تحول الوضع إلى دورة تصعيد–تهدئة متكررة، ما لم يتم الوصول إلى ترتيبات واضحة تضمن الاستقرار وتخفف العبء عن المدنيين.
