تعيش إيران موجة احتجاجات وصفتها تقارير بأنها الأكبر منذ ثلاثة أعوام، بدأت شرارتها من سوق طهران الكبير على خلفية تفاقم أزمة العملة وارتفاع الأسعار، قبل أن تمتد إلى مدن ومناطق مختلفة، مدفوعة بغضب متزايد من التضخم وتدهور القدرة الشرائية وما يصفه المحتجون بسوء الإدارة الاقتصادية واستمرار القيود على الحريات. وفي تطور يعكس تشدد السلطات، وجّه رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إجئي تحذيرًا صريحًا بأن الدولة “لن تُبدي أي تساهل” مع من تعتبرهم داعمين لـ“الاضطرابات” أو من تصفهم بأنهم يساعدون “أعداء” مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبحسب تقارير حقوقية أُشير إليها في تغطيات دولية، أسفرت الاحتجاجات خلال أيامها الأولى عن سقوط قتلى واعتقال آلاف، بينما تتركز حدة المواجهات—وفق تلك التقارير—في بعض المحافظات الغربية، حيث سُجلت صدامات عنيفة وتجمعات رافقتها شعارات مناهضة للسلطات، إضافة إلى إضرابات وإغلاق محال في عدد من الأسواق والقطاعات، ما زاد من الضغط على المشهد العام. وفي المقابل، لا تقدم السلطات أرقامًا تفصيلية عن حصيلة الضحايا بين المحتجين، لكنها تحدثت عن سقوط ضحايا في صفوف الأجهزة الأمنية في بعض المواقع.
وتتسم هذه الاحتجاجات بكونها “اقتصادية المنشأ” لكنها سرعان ما تكتسب أبعادًا سياسية واجتماعية؛ فمع ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة، يتداخل المطلب المعيشي مع انتقادات أوسع للسياسات العامة، والعلاقة المتوترة مع الغرب، وتأثير العقوبات، وشعور قطاعات من المجتمع بضيق الخيارات. وقد أشار المرشد الأعلى علي خامنئي—وفق ما نقلته التقارير—إلى رفض الخضوع للضغوط الخارجية، وهو خطاب اعتادت القيادة الإيرانية تبنيه في أوقات الأزمات لتأكيد تماسكها وربط الاحتجاجات بخصوم خارجيين.
وفي سياق متصل يزيد من حدة التوتر، أعلنت إيران تنفيذ حكم الإعدام بحق رجل قالت إنه أُدين بالتجسس لصالح جهاز الموساد الإسرائيلي، وفق إعلام رسمي. وتزامن هذا التطور مع تصاعد الحديث عن قضايا أمنية واختراقات وتجسس، وهو ملف تستخدمه السلطات عادة لتأكيد أن البلاد تواجه “حربًا أمنية” وليس مجرد احتجاجات مطلبية. من جهتها، تنتقد منظمات حقوقية وبعض الدول الغربية توظيف أحكام الإعدام في قضايا سياسية أو أمنية، وتثير تساؤلات حول شفافية الإجراءات.
كما ذكرت تقارير أن أجواء الاحتجاجات ازدادت تعقيدًا بعد تصريحات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوّح فيها بدعم المحتجين، وهو ما اعتبرته طهران تدخلًا خارجيًا يهدف لإشعال الوضع، وزاد من تصلّب موقفها تجاه المتظاهرين. وفي ظل هذا التداخل بين الداخل والخارج، تبدو إيران أمام معادلة صعبة: تهدئة اقتصادية مطلوبة لخفض الغضب الشعبي، مقابل نهج أمني وقضائي يراهن على الردع والسيطرة. وتبقى الأسابيع المقبلة حاسمة لمعرفة ما إذا كانت السلطات ستقدم معالجات اقتصادية ملموسة، أم أن الاحتجاجات ستستمر وتتحول إلى أزمة سياسية أوسع.
